كيف غير الإعلام الرقمي خارطة الإعلام المعلوماتي؟

شهد العالم المعاصر تحولات عميقة بفعل الثورة الرقمية التي غيّرت ملامح الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وقد كان الإعلام في صميم هذه التحولات، إذ أدى تطور تقنياته إلى سرعة تدفق الأخبار والمعلومات وتداولها، وإلى بروز فرص أكبر للتعبير عن الرأي، مما جعله محركًا فعّالًا في حياة الشعوب وصانعًا للسياسات، ومن هنا برز الإعلام الرقمي كمرحلة جديدة من الإعلام المعلوماتي، تحمل خصائص مختلفة عن وسائل الإعلام التقليدية، وتفتح آفاقًا واسعة لممارسات إعلامية أكثر تأثيرًا وانتشارًا.
يعد الإعلام الرقمي إعلام عصر المعلومات، وقد نشأ نتيجة لتزاوج ظاهرتين بارزتين هما تفجر المعلومات وتطور الاتصالات عن بعد، فهو ليس مجرد امتداد للإعلام التقليدي، بل يمثل نقلة نوعية في الوظائف والأدوار التي يؤديها، فقد أتاح مساحة أرحب للمشاركة المجتمعية في إنتاج المحتوى الإعلامي، ولم يعد الجمهور متلقيًا سلبيًا للمعلومة، بل أصبح قادرًا على إنتاجها وتوزيعها بسهولة، وهذا التغيير منح الأفراد سلطة جديدة في المجال الإعلامي، وأسهم في إعادة تشكيل العلاقة بين وسائل الإعلام والجمهور.
يمتاز الإعلام الرقمي بقدرته على دمج أشكال متعددة من المحتوى مثل النصوص والصور والفيديو والموسيقى في منصة واحدة، بفضل رقمنة المعلومات وإمكانية تمثيلها بالكود الثنائي عبر مختلف الأجهزة، كما يتميز بسرعة الوصول إلى المعلومات وإمكانية نشرها من أي مكان وفي أي وقت، وهو ما أضعف مركزية المؤسسات الإعلامية التقليدية وأتاح حرية أكبر في التعبير وتبادل المعرفة، وإلى جانب ذلك، أحدثت التحولات الرقمية تغييرات جذرية في طرق إنتاج المعلومات وتوزيعها، بل وحتى في أساليب العمل والتواصل داخل المجتمعات، مما جعل الإعلام الرقمي جزءًا لا يتجزأ من البنية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية للعالم المعاصر.
لقد أصبح الإعلام الرقمي أحد أبرز مظاهر «مجتمع المعلومات»، وهو المجتمع الذي يقوم على إنتاج وإدارة المعرفة والمعلومات كمدخلات أساسية في الاقتصاد والتنظيم الاجتماعي، وينظر إلى هذه المرحلة على أنها ثورة صناعية ثالثة، حيث باتت المعلومات مصدرًا رئيسيًا للثروة والسلطة، وعاملاً محوريًا في عمليات التنمية والابتكار، فضلاً عن مساهمتها في بروز ثقافة استهلاكية عالمية تعكس آثار العولمة والشبكات الرقمية العابرة للحدود.
ويتضح مما سبق أن الإعلام الرقمي غيّر خارطة الإعلام المعلوماتي بصورة جذرية، إذ لم يعد الإعلام مجرد وسيلة لنقل الخبر، بل أصبح بيئة متكاملة لإنتاج وتبادل المعرفة، وفاعلًا رئيسيًا في صياغة المشهد السياسي والاجتماعي والاقتصادي، ومع استمرار التطور التقني يتوقع أن يزداد تأثير الإعلام الرقمي في حياة الأفراد والمجتمعات، ليظل أحد أهم مظاهر التحول في عصر المعلومات.
syalaboud@iau.edu.sa

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *