يعتقد الكثيرون أن قارئة الكتب كائن هادئ، أنيق المزاج، تجلس في ركن غرفتها، وبين يديها كوب قهوة، تنقّل صفحات الكتب برصانة وكأنها في مشهد سينمائي كلاسيكي. الحقيقة؟ لا شيء من هذا يحدث. حياتي مع الكتب أقرب إلى مسرحية كوميدية طويلة لا تنتهي.
أستيقظ عادةً على صوت كتاب يسقط من رف المكتبة، وكأن المؤلف في داخله قرر الانتحار من شدّة الانتظار. أفتح عيني فأجد رواية على وسادتي، وأخرى على صدري، وكتاب فلسفة بجانبي يرمقني بجدّية مزعجة، وكأنه مستعد ليخوض معي نقاشًا حول «عبثية الاستيقاظ المبكر».
أتجه إلى المطبخ وأنا أحاول ألا أدهس القصائد المتناثرة على الأرض، أعدّ قهوتي، فإذا بالكوب يذكرني بجملته المنقوشة: «اقرئي كتابًا بدل أن تراقبي البخار»، وكأن أدوات المطبخ نفسها تحاصرني باللوم.
أجلس لأبدأ صباحي بقراءة جادّة. لكن بالكاد أطوي سطرين حتى أسمع رفوف المكتبة توبّخني في خيالي: «إلى متى وأنتِ عالقة في هذه الرواية منذ شهر؟! ألا تشفقين علينا نحن الباقيات؟» فأضحك ساخرًة وأقرر ـ كالعادة ـ وضع جدول صارم: رواية صباحًا، تطوير ذات بعد الظهر، فلسفة قبل النوم، مع إجازة اضطرارية للمتنبي. لكن الجدول ينهار سريعًا، ويكفي أن ألمح إعلانًا إلكترونيًا لكتاب جديد حتى أضيفه لعربة التسوّق وأشعر أنني ارتكبت خيانة لرفوفي المكتظة.
على الغداء، أحاول أن أبدو طبيعية أمام أسرتي. أختي الصغرى تأكل بهدوء، فأقرر أن أشرح لها الفرق بين الرواية العبثية والوجودية. تتوقف عن الأكل وتنظر إليّ ببراءة قائلة: «يعني وش تبغيني أرد؟ أنا كنت أشوف كرتون!» فأبتسم وأدرك أن هوسي بالكتب لا يصلح للمائدة.
أما الليل، فهو موعدي الأبدي مع مأساة «فصل واحد فقط». أفتح الكتاب بحسن نية، فيجرّني الفصل الأول للثاني، والثاني للثالث، حتى أجد نفسي الثالثة فجرًا أشرح لقطتي لماذا أصرّ دوستويفسكي على تعذيب شخصياته.
وقبل أن أنام، أعاهد نفسي: «غدًا لن أشتري كتابًا جديدًا، سأُنهي واحدًا على الأقل مما لدي.» لكن الهاتف يضيء بإشعار: «تمت إضافة عنوان جديد إلى قسم العروض!» فتتهاوى وعودي مثل الكتاب الذي سقط صباحًا.
هكذا هي حياتي مع الكتب: فوضى لطيفة، صراع أبدي بين رغبتي في السيطرة وبين الكتب التي تسيطر عليّ. وربما.. هذه الفوضى هي ما يجعل القراءة أجمل وأصدق.
fatemaalhqbani52@gmail.com