القلب وحده شاهد وجودنا؛ يعلن الحياة بخفقانه، ويعلن الرحيل حين يسكن. ومن هذه الحقيقة العميقة انطلق جراحٌ جعل من القلب محور رحلته الطبية؛ أربعة عقودٍ وأكثر خطّها سجلًا للعلم والإنسانية والخلود.
هدوؤه كان عرشه، ومشرطه تاجه الذي يضعه على كل قلب يُعاد إلى الحياة. وغرفة العمليات مملكته… نعم، هو اسطورة جراحة القلب. أكثر من ثمانية وأربعين عامًا قضاها في أروقة التخصصي وغرف العمليات، تاركًا أثرًا عميقًا في كل من عرفه: مرضى وأطباء ومتدربين. وأنا شخصيًا، كان له أثر في عملي، وفي إيماني بالقدرة على العطاء المستمر.
كان حضوره في غرفة العمليات أشبه ببحيرة ساكنة تعكس صفاء السماء. هدوؤه لم يكن غيابًا عن التوتر، بل سيطرةً عليه؛ حتى بدا الزمن منساقًا لإيقاع يديه. يلتقط أدق التفاصيل، من نبضة مترددة إلى خفقة متعثرة، وكأن عينه تسبق الأجهزة جميعها.
دعوات الأمهات كانت وقوده؛ تمنحه شغفًا يجعل كل عملية وكأنها الأولى: بنفس الحذر، بنفس الحب، وبنفس الإيمان بأن كل قلب يُنقذ هو حياة كاملة تُستعاد. ولو سُئل عن آخر عملية أجراها في يوم تكريمه، لابتسم بهدوئه المعهود وقال: «قبل أن آتي إلى هنا».
لُقّب بـ»Desert Storm» في كندا، وكان سفيرًا للمملكة في المحافل الدولية، من الرياض إلى روما، ومن بيروت إلى بوسطن، ومن كندا إلى أمريكا وإيطاليا، ومن الهند إلى باكستان وتايوان. في كل مدينة كانت له بصمة، وفي كل قلب محبة. كان أول طبيب سعودي يعمل في مستشفى الملك فيصل التخصصي، وأول من ابتُعث باسمه. وفي 2007 حمل وسام الملك عبد العزيز من الدرجة الأولى، لكنه قبل ذلك حمل وسامًا أعمق: دعوات آلاف المرضى وعائلاتهم.
من الدور الرابع في مستشفى الملك فيصل التخصصي إلى العالمية، كتب اسمه في التاريخ؛ رمزًا للعلم، وللإنسانية، وللمعجزة التي تحمل اسم رجل واحد.
هو أسطورة جراحة القلب، د. زهير الهليس، بارك الله في عمله وجعل لكل طفل أفرح والديه، ولكل مريض سعادة ممتدة في الدنيا والآخرة .