الوقت في عصر السرعة

الوقت.. تلك الساعات والدقائق والثواني التي نعيشها كل يوم مقسمة بين ليل ونهار وتمضي بنا في رحلة العمر ولها قيمة يدركها الكثيرون وقد يجهل قيمتها الكثيرون كذلك وبالنهاية الوقت ثمين ولكن ما يصنع له قيمة هو الطريقة التي تستهلك فيها جزئياته وتمضيها فيه وتستثمره بها.. وفي الوقت الراهن تعلوا الأصوات التي تقول ان الوقت بات قصيراً وغير كاف لإنجاز المهام اليومية في عصر السرعة والثورة التقنية.
الحقيقة هي أن الوقت لم يتغير ! اليوم ما زال 24 ساعة مثل ما كان قبل ألف سنة، لكن إحساسنا بالوقت تغيّر بشكل جذري اصبحنا نشعر بأن الأيام تجري كأنها ساعات. لماذا نشعر بأن الزمن يسابقنا ؟
البشر سابقًا كانوا يعيشون على إيقاع طبيعي شروق وغروب، مواسم حصاد.. إلخ أما اليوم نحن محكومين بالتقويم الرقمي وتنبيهات الجوال.
كل دقيقة لها جدول، كل ثانية فيها إشعار.
كثافة الأحداث جعلت إحساسنا بالوقت ينضغط.
من زاوية فلسفية الوقت ليس أمر خارجي نواكبه بل هو إحساس داخلي يتشكل من وعينا ، عندما تكون حاضر في اللحظة.. مثلًا تقرأ كتاب أو تجلس مع صديق أو تتأمل ! الدقيقة تصبح طويلة وعميقة ، لكن عندما تكون مشتت يمر اليوم كامل وكأنك غبت عنه.
السرعة المستمرة لها ثمن ! أجسادنا متعبة رغم أن التكنولوجيا تسهّل حياتنا، عقولنا مشبعة بالمعلومات لكننا نفتقد الهدوء ! نحن نعيش في زمن كل شيء فيه سريع.. الأخبار، التواصل، حتى القرارات ، والنتيجة أننا لا نملك وقتًا حقيقيًا لأنفسنا.
صحيح لا نستطيع أن نوقف عجلة السرعة لكن نستطيع إرجاع إحساسنا الطبيعي بالزمن !
الحل ليس أن نزيد إنتاجية بل بالعكس نبطئ بعض اللحظات مثلًا جلسة بلا جوال ، نعيش اللحظة بدون قفز للمستقبل ، أحيانًا يكفي أن نطفئ الإشعارات لبعض الوقت لنشعر بالهدوء، أو نمشي بلا هدف محدد لنستعيد قدرتنا على ملاحظة التفاصيل الصغيرة ، جلسة صمت بعيدًا عن الشاشات لنسمع أفكارنا بوضوح، أو ندوّن لحظة بسيطة من يومنا لنكسر روتين الأيام المتشابهة، تجربة جديدة بين فترة وأخرى أو كتاب مختلف، مكان جديد، أو حتى هواية بسيطة تمنحنا إحساسًا ممتدًا بالزمن وتعيد إلينا عمق اللحظة.
بهذا الشكل نعيش الوقت بدل أن يذوب منا بلا أثر.
أخيرًا الوقت لا يطير بل نحن من فقدنا حضورنا فيه ولكن لو رجعنا نبطئ، لو أعطينا كل لحظة حقها، سيصبح الزمن والوقت أوضح، أعمق، وأكثر إنسانية. الوقت ليس العدو بل المرآة التي تكشف كيف نعيش !
ayoo-oosh1@hotmail.com
صحيح لا نستطيع أن نوقف عجلة السرعة لكن نستطيع إرجاع إحساسنا الطبيعي بالزمن !

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *